فصل: تفسير الآية رقم (17):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الشعراوي



.تفسير الآية رقم (15):

{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)}
وهكذا يدلُّنا الحق سبحانه على أن الأرض قد خُلِقت على مراحل، ويشرح ذلك قوله سبحانه: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت: 9-10].
وهكذا عَلِمنا أن جِرْم الأرض العام قد خُلِق أولاً؛ وهو مخلوق على هيئة الحركة؛ ولأن الحركة هي التي تأتي بالمَيدان التأرجُّح يميناً وشمالاً وعدم استقرار الجِرْم على وَضْع، لذلك شاء سبحانه أن يخلق في الأرض الرواسي لتجعلها تبدو ثابتة غير مُقلقة والرَّاسي هو الذي يَثبت.
ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الاستقرار لما خلق الله الجبال، ولكنه خلقَ الأرض على هيئة الحركة، ومنع أنْ تميدَ بخَلْق الجبال ليجعلَ الجبال رواسيَ للأرض.
وفي آية أخرى يقول سبحانه: {وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب} [النمل: 88]. وكلمة {وألقى} تدلُّ على أن الجبال شيء متماسك وُضِع ليستقر.
ثم يعطف سبحانه على الجبال: {وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً} [النحل: 15].
ولم يَأْتِ الحق سبحانه فعل يناسب الأنهار، ومن العجيب أن الأسلوب يجمع جماداً في الجبال، وسيولة في الأنهار، وسبلاً أي طرقاً، وكُلُّ ذلك: {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15].
أي: أن الجَعْل كلَّه لعلنا نهتدي.
ونعلم أن العرب كانوا يهتدوا بالجبال، ويجعلون منها علامات، والمثَل هو جبل (هرشا) الذي يقول فيه الشاعر:
خُذُوا بَطْن هرشا أو قَفَاهَا فإنَّهُ ** كِلاَ جَانِبي هرشا لَهُنَّ طَريقُ

وأيضاً جبل التوباد كان يُعتبر علامة.
وكذلك قَوْل الحق سبحانه: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور الأيمن} [مريم: 52].
وهكذا نجد من ضمن فوائد الجبال أنها علاماتٌ نهتدي بها إلى الطرق وإلى الأماكن، وتلك من المهام الجانبية للجبال.
أو: {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15].
باتعاظكم بالأشياء المخلوقة لكم، كي تهتدوا لِمَنْ أوجدها لكم.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَعَلامَاتٍ وبالنجم...}.

.تفسير الآية رقم (16):

{وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)}
أي: أن ما تقدم من خَلْق الله هو علامات تدلُّ على ضرورة أنْ تروا المنافع التي أودعها الله فيما خلق لكم؛ وتهتدوا إلى الإيمان بإله مُوجِد لهذه الأشياء لصالحكم.
وما سبق من علامات مَقرُّه الأرض، سواء الجبال أو الأنهار أو السُّبل؛ وأضاف الحق سبحانه لها في هذه الآية علامة توجد في السماء، وهي النجوم.
ونعلم أن كلَّ مَنْ يسير في البحر إنما يهتدي بالنجم. وتكلم عنها الحق سبحانه هنا كتسخير مُخْتص؛ ولم يُدخِلها في التسخيرات المتعددة؛ ولأن نجماً يقود لنجم آخر، وهناك نجوم لم يصلنا ضوؤها بعد، وننتفع بآثارها من خلال غيرها.
ونعلم أن قريشاً كانت لها رحلتان في العام: رحلة الشتاء، ورحلة الصيف. وكانت تسلك سبلاً متعددة، فتهتدي بالنجوم في طريقها، ولذلك لابد أن يكون عندها خبرة بمواقع النجوم.
ويقول الحق سبحانه: {وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16].
قد فضَّل الحق هذا الأسلوب من بين ثلاثة أساليب يمكن أنْ تُؤدي المعنى؛ هي: (يهتدون بالنجم) و(بالنجم يهتدون) والثالث: هو الذي استخدمه الحق فقال: {وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16].
وذلك تأكيد على خبرة قريش بمواقع النجوم؛ لأنها تسافر كل عام رحلتين، ولم يكن هناك آخرون يملكون تلك الخبرة.
والضمير (هم) جاء ليعطي خصوصيتين؛ الأولى: أنهم يهتدون بالنجم لا بغيره؛ والثانية: أن قريشاً تهتدي بالنجم، بينما غيرُها من القبائل لا تستطيع أن تهتدي به.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ...}.

.تفسير الآية رقم (17):

{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)}
ونعلم أن الكلام الذي يلقيه المتكلم للسامع يأخذ صوراً متعددة؛ فمرَّة يأخذ صورة الخبر، كأن يقول: مَنْ لا يخلق ليس كَمنْ يخلق. وهذا كلام خبريّ، يصح أنْ تُصدِّقه، ويصحّ ألاَّ تُصدّقه.
أما إذا أراد المتكلم أن يأتي منك أن التصديق، ويجعلك تنطق به؛ فهو يأتي لك بصيغة سؤال، لا تستطيع إلا أنْ تجيبَ عليه بالتأكيد لِمَا يرغبه المتكلِّم.
ونعلم أن قريشاً كانت تعبد الأصنام؛ وجعلوها آلهة؛ وهي لم تكلمهم، ولم تُنزِل منهجاً، وقالوا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} [الزمر: 3].
فلماذا إذن لا يعبدون الله مباشرة دون وساطة؟ ولماذا لا يرفعون عن أنفسهم مشقة العبادة، ويتجهون إلى الله مباشرة؟
ثم لنسأل: ما هي العبادة؟
نعلم أن العبادة تعني الطاعة في «افعل» و(لا تفعل) التي تصدر من المعبود. وبطبيعة الحال لا توجد أوامر أو تكاليف من الأصنام لِمَنْ يعبدونها، فهي معبودات بلا منهج، وبلا جزاء لِمَن خالف، وبلا ثواب لِمَنْ أطاع، وبالتالي لا تصلح تلك الأصنام للعبادة.
ولنناقش المسألة من زاوية أخرى، لقد أوضح الحق سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، وسخر كل الكائنات لخدمة الإنسان الذي أوكل إليه مهمة خلافته في الأرض.
وكلُّ تلك الأمور لا يدعيها أحد غير الله، بل إنك إنْ سألتَ الكفار والمشركين عمَّن خلقهم ليقولن الله.
قال الحق سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87].
ذلك أن عملية الإيجاد والخَلْق لا يجرؤ أحدٌ أنْ يدَّعيَها إنْ لم يكُنْ هو الذي أبدعها، وحين تسألهم: مَنْ خلق السماوات والأرض لقالوا: إنه الله.
وقد أبلغهم محمد صلى الله عليه وسلم أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وأن منهجه لإدارة الكون يبدأ من عبادته سبحانه.
وما دام قد ادَّعى الحق سبحانه ذلكن ولم يوجد مَنْ ينازعه؛ فالدعوة تثبُت له إلى أنْ يوجد معارض، ولم يوجد هذا المُعَارض أبداً.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لم يَقُل الحق سبحانه (أتجعلون مَنْ لا يخلق مِثْل من يخلق). بل قال: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17].
ووراء ذلك حكمة؛ فهؤلاء الذين نزل إليهم الحديث تعاملوا مع الأصنام وكأنها الله؛ وتوهَّموا أن الله مخلوق مثل تلك الأصنام؛ ولذلك جاء القول الذي يناسب هذا التصوُّر.
والحق سبحانه يريد أنْ يبطل هذا التصوُّر من الأساس؛ فأوضح أن مَنْ تعبدونهم هم أصنام من الحجارة وهي مادة ولها صورة، وأنتم صنعتموها على حَسْب تصوُّركم وقدراتكم.
وفي هذه الحالة يكون المعبود أقلَّ درجة من العابد وأدنى منه؛ فضلاً عن أن تلك الأصنام لا تملك لِمَنْ يعبدها ضراً ولا نفعاً.
ثم: لماذا تدعون الله إنْ مسَّكُم ضُرٌّ؟
إن الإنسان يدعو الله في موقف الضر؛ لأنه لحظتها لا يجرؤ على خداع نفسه، أما الآلهة التي صنعوها وعبدوها فهي لا تسمع الدعاء: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14].
فكيف إذن تساوون بين مَنْ لا يخلق، ومن يخلق؟ إن عليكم أنْ تتذكَّروا، وأنْ تتفكَّروا، وأن تُعْمِلوا عقولكم فيما ينفعكم.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ...}.

.تفسير الآية رقم (18):

{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)}
وهذه الآية سبقتْ في سورة إبراهيم؛ فقال الحق سبحانه هناك: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34].
وكان الحديث في مجال مَنْ لم يعطوا الألوهية الخالقة، والربوبية الموجدة، والمُمِدَّة حَقَّها، وجحدوا كل ذلك. ونفس الموقف هنا حديث عن نفس القوم، فيُوضِّح الحق سبحانه: أنتم لو استعرضتم نِعمَ الله فلن تحصوها، ذلك أن المعدود دائماً يكون مكرر الأفراد؛ ولكن النعمة الواحدة في نظرك تشتمل على نِعَم لا تُحصَى ولا تُعَد؛ فما بالك بالنِّعم مجتمعة؟
أو: أن الحق سبحانه لا يمتنُّ إلا بشيء واحد، هو أنه قد جاء لكم بنعمة، وتلك النعمة أفرادها كثير جداً.
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18].
أي: أنكم رغم كُفْركم سيزيدكم من النعم، ويعطيكم من مناط الرحمة، فمنكم الظلم، ومن الله الغفران، ومنكم الكفر ومن الله الرحمة.
وكأنَّ تذييل الآية هنا يرتبط بتذييل الآية التي في سورة إبراهيم حيث قال هناك: {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34].
فهو سبحانه غفور لجحدكم ونُكْرانكم لجميل الله، وهو رحيم، فيوالي عليكم النِّعَم رغم أنكم ظالمون وكافرون.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ..}.

.تفسير الآية رقم (19):

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19)}
والسِّر كما نعلم هو ما حبْسته في نفسك، أو ما أسررْتَ به لغيرك، وطلبتَ منه ألاَّ يُعلِمه لأحد. والحق سبحانه يعلم السِّر، بل يعلم ما هو أَخْفى فهو القائل: {يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} [طه: 7].
أي: أنه يعلم ما نُسِره في أنفسنا، ويعلم أيضاً ما يمكن أن يكون سِراً قبل أن نُسِرَّه في أنفسنا، وهو سبحانه لا يعلم السِّر فقط؛ بل يعلم العَلَن أيضاً.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {والذين يَدْعُونَ مِن..}.

.تفسير الآية رقم (20):

{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20)}
أي: أنهم لا يستطيعون أنْ يخلقوا شيئاً؛ بل هم يُخْلقون، والأصنام كما قُلْنا هي أدنى مِمَّنْ يخلقونها، فكيف يستوي أنْ يكونَ المعبود أَدْنى من العابد؟ وذلك تسفيهٌ لعبادتهم.
ولذلك يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام لحظةَ أنْ حطَّم الأصنام، وسأله أهله: مَنْ فعل ذلك بآلهتنا؟ وأجاب: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} [الأنبياء: 63].
فقالوا له: إن الكبير مجرَّد صنم، وأنت تعلم أنه لا يقدر على شيء.
ونجد القرآن يقول لأمثال هؤلاء: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: 95].
فهذه الآلهة إذن لا تخلق بل تُخلق، ولكن الله هو خالق كل شيء، وسبحانه القائل: {ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب} [الحج: 73].
ويذكر الحق سبحانه من بعد ذلك أوصاف تلك الأصنام: {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ...}.

.تفسير الآية رقم (21):

{أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)}
وهم بالفعل أموات؛ لأنهم بلا حِسٍّ ولا حركة، وقوله: {غَيْرُ أَحْيَآءٍ..} [النحل: 21].
تفيد أنه لم تكُنْ لهم حياة من قَبْل، ولم تثبت لهم الحياة في دورة من دورات الماضي أو الحاضر أو المستقبل.
وهكذا تكتمل أوصاف تلك الأصنام، فهم لا يخلقون شيئاً، بل هم مخلوقون بواسطة مَنْ نحتُوهم، وتلك الأصنام والأوثان لن تكون لها حياة في الآخرة، بل ستكون وَقُوداً للنار.
والحق سبحانه هو القائل: {احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [الصافات: 22].
وبطبيعة الحال لن تشعرَ تلك الحجارةُ ببعْث مَنْ عبدوها.
ويُصفِّي الحق سبحانه من بعد ذلك المسألة العقدية، فيقول: {إلهكم إله وَاحِدٌ...}.